الصيف الابديّ الذي سطرنا معًا حروف روايته
“الموت… يؤثر فينا بشكل أعمق
تحت هيمنة الصيف البهيّة”
بودلير، الفراديس المصطنعة
هذه كانت العبارة الأفتتاحية لنوفيلا “موتٌ في منتصف الصيف” للأديب الياباني يوكيو ميشيما والتي اتخذت نهجاً روائيا معاكساً للروايات التقليدية، إذ انه أستهلّ روايته بحدثٍ مأساوي (فاجعة) وكيف قِيد أبطال القصة ب”حتمية القدر” جاعلا القراء يعيشون رتابة حياة ابطال القصة ما بعد الحادث، كيف ان الحياة تستمر رغم كل المآسي والمنغصات وكيف ان البشر قادرين على النسيان وتجاوز الفقد.
مانجا “the summer you were there” من من رسم وتأليف Yuama تبدأ صفحتها الاولى بأطلاعنا على قدر “كاوري” من خلال مونولوج لشيزوكو، ومع هذا فنحن لا نزال على غير معرفة ببُنية هذه 《النهاية المرتبطة بالبداية》، فرغم ان الخاتمة والبداية تشيران للمصير ذاته وحتمية موت كاوري، الا ان القصة لا تحاول تقديم الخاتمة كمأساة صِرفة، بل لتقديم عمق اكبر لهذه المآسي التي تحدث بلاسبب غائيّ
“اينما كنت ومهما كنت أفعل، ما زلتُ ابحث عن ظلكِ” هذا المونولوج من ون شوت “الأبدية لكِ” يرتبط مع الخط الزمني للصفحة الاولى، تقرّ فيه شيزوكو بأنها رغم تعاقب السنين الا ان ذكرى شيزوكو لا تفارق خاطرها وأن ذكريات الصيف الذي قضيتاه معاً هي الدافع لها للسير في الحياة
يميل الاشخاص في بعض الأوقات لرؤية الامور من خلال مخططات معرفية مسبقة وانماط تفاعلية محددة وخصوصا في حالة الاطفال، في الفصل السابع حين نتعرف على تفاصيل ما حصل بين شيزوكو وروري تتاح لنا فرصة معاينة الحدث بأنفسنا، لنعلم ان نوايا شيزوكو لم تكن في الواقع خبيثة منذ البداية، فعجزها عن تمييز المشاعر بسبب الفجوة الطفيفة ما بين المظهر ورد الفعل الحقيقي هو ما حال دون تدرك المعاناة التي قاستها روري، ولتكون بذلك نقطة بداية تكوّن عالمها الداخليّ ووعيها المفرط بذاتها، حين تواجه شيزوكو كاوري وتطلعها بهذه “الحقائق” فهي طبيعيا لا تقدمها كما تكشفت لنا، فيتحتم بذلك على كاوري ان تراعي الثِقل النفسي للحادثة والا تحاول تقويم الموقف بإفتراضه “قضيّة أمكنها ان تُحلّ مع تفاهم متبادل” حتى وإن كانت كذلك لأثرها الكبير المختلف في الأطراف المعنية، وحقيقة ان العمل في جوهره يدين التنمر بوصفه فعلا يتجاوز الألم الجسدي ويمتد الى الأذى النفسي، فأثره لا يمحى بسهولة التجاوز والنسيان، فكان الحل متمثلا ببداية جديدة وتكوين علاقة بشكلٍ آخر بين روري و “شيزوكو” اخرى مختلفة عن تلك في الماضي.
ولو أن القصة أتخذت من فكرة “مسامحة الذات” كرسالة أساسية لكانت الحبكة متمحورة بالكامل حول روري وشيزوكو، إلا انها ليست كذلك فهي تدور بشكل جوهريّ حول التأثير الذي تحدثه الفتاتين شيزوكو وكاوري في الأخرى، الى حد ان “التسامح” بات مفهوماً عملياً حتمياً لغاية آخرى مختلفة.
أختلف كثيرا مع عموم الكتابات التي قرأتها بخصوص هذه المانجا، والتي ناقشت فقط “الموضوعات الحزينة” فيها ، والتي لا تغيب عن ثيمات المانجا ولكن لا ننسى أيضا بأنها ذات نزعة تفاؤلية ملأى بالأمل والحياة، فكاوري عاشت أيامها الاخيرة مع الفتاة التي أحبّت، أنقذتها من براثن اليأس وأجتهدت لجعلها تتصالح مع ذاتها وتكوّن روابط حقيقية وتفتح فصلاً جديدا، وأُهديت كتاباً من مؤلفتها الحبيبة، أفليست هذه أجمل لحظات أخيره يمكن لها ان تعيشها؟
ملاحظتي الأخيرة هي بخصوص العنوان الانجليزي الموطّن، عند قيام جهة النشر بأختيار عنوان خلال عملية التوطين تؤخذ خصوصيات اللغة والثقافة والسوق المستهدف في الاعتبار، في الغالب من غير تدخل من قبل الجهة المرخصة
أختير العنوان “The summer you were there” كبديل للعنوان الياباني الأصلي “君と綴るうたかた” والتي يمكن ترجمتها للعربية لمعنى مقارب ل”الفقاعات التي شكّلناها معاً” مقارنة بالعنوان الانجليزي فأن الترجمة الحرفية اكثر تجريداً لكنها تنقل المعنى الرمزي بعمقه اللغوي، لكون الفقاعات سريعة الزوال ما أن تُلمس، وكون الفقاعة ذات شكل غير دائم، فهي تنقل فكرة ان الوجود لا يبقى على حاله ومعرض دوماً لحتمية الزوال، وهو مقارب مفاهيمياً للعنوان الذي اختاره ميشيما في مجموعته القصصية.