مونو نو أواريه: الرقة في رثاء الأشياء
露の世は (This dewdrop world) 露の世ながら (Is a dewdrop world,) さりながら (And yet, and yet…) 小林一茶 (Kobayashi Issa) هذه مقدمة هايكو “عن فقدان طفلةٍ عزيزة” للشاعر الياباني إيسا والتي كتبها رثاءً لطفلته ساتو والتي توفيت إثر إصابتها بالجدري، يصف فيها العالم كقطر الندى، وهي إستعارة تعبر عن فناء الحياة، لكن رغم انتهاجه هذه الفلسفة و هذا المنظور للحياة إلا ان فرط التعلق والحنين لا زالا راسخين في وجدانه حتى مع ايمانه بحقيقة كونها حياة عابرة. اتسم التطور طويل الأمد للفن الياباني ببحثه الدؤوب المستمر لتحقيق اقصى تجسيد ممكن للأصالة التعبيرية وتشكيل الحس الشعوري الإدراكي للشخصية اليابانية، ولم يؤدّ السعي إلى إخضاع جوانب الممارسات الثقافية المختلفة لأحتياجاتها إلى توجيه تطور الحضارة اليابانية نحو الأبتعاد عن كل مؤثر خارجي (اي التأثيرات الثقافية)، وبفضل ذلك اتسم التطور الياباني بديناميكية مرحبة بتيارات ثقافية مختلفة إلا ان تلك التأثيرات المختلفة لم تدخل بصورتها المتبلورة بغض النظر عن نطاق تأثيرها او قوة البرنامج السياسي الذي دعمها، فلداعي ان تحضى بالقبول كان يتعين ان تتكيف مع ذائقة الجمهور الياباني. في مجال الفن، والجماليات (الأستطاقية) بصفة اوسع يُشدّد على اهمية دور الأصالة التعبيرية وعلاقتها المقرونة بالجمال، اذا ارتبطت الفلسفة الجمالية في اليابان بعلاقات سكانها المعقدة التي وطّدوها مع الطبيعة، فبذلك لم تستطع تلك التأثيرات الثقافية ان تدحض تلك القيم التي وجدت موطئ قدمها الاسمى في الشنتو، فقد كان لتأثير هذا المعتقد الجديد وانتشار القيم التي جلبها أثرٌ بالغ. بالرغم انه لم يتم العثور في الفكر الياباني على نهج يمكن اعتباره نظيراً لعلم الجماليات في الغرب حتى القرن التاسع عشر إلا انه تم تطوير عدة تفسيرات للتجارب والمظاهر الجمالية في الفنون والممارسات الثقافية اذكر منها “مونو نو اواري” الذي نحن بصدد مناقشته في هذه المقالة وكذلك “وابي سابي” و “ما”. وكما اسلفت بالذكر فأن الحضارة اليابانية خلال فترة قيامها قد استوعبت وتأثرت بشكل عميق بالحضارات الاسيوية المجاورة كالصينية و الكورية والهندية وحضارات آسيا الوسطى، بما يطلق عليه “الجابونيزم”، وبالرغم من موجة التأثير القاري الواسعة نسبيا هذه فأن الجوانب الجمالية والميول الفنية والابداعية للشعب الياباني قد حافظت على صلتها القوية بالأُطر الثقافية للمعتقد الشِنتوي الاصلي، وبفضل هذا المعتقد ظل فهم التجارب الجمالية طوال تاريخ اليابان مشبعا بعمق العلاقة الوثيقة بالطبيعة. وإن هذه المعتقدات الشنتوية هي ما وفرت أسس ثقافية لأحتواء ودمج هذه التأثيرات الأجنبية، كالبوذية والزين والطاوية والكونفوشيوسية وغيرها، يوضّح اندرياوسكاس ان اليابان تدين بهذت التطور الثقافي الى حد كبير لعزلتها الجغرافية ومحدودية تعرضها للمؤثرات الثقافية بشكل مباشر من مصادر أخرى. مصطلح “مونو نو اواري” يعبر عن الجمال العابر او غير الدائم، انه انطباع قوي لم ينشى من تجربة حسية حالية بل يتطور على مدى فترة زمنية طويلة، كان المصطلح awa re من ابرز الإصطلاحات الجمالية خلال “فترة هيان” وهو يعبر عن السحر الفريد لأي ظاهرة او كائن، أي التماهي مع موضوع التأمل والتعاطف مع جماله الغامض، إنه إنطباع يتحقق عند إتمام الانسجام بين العاطفة والعقلانية كما اشار الى ذلك أندروياسكاوس، إذ تشتبك فيه الحالة العاطفية’哀れ’ مع الجانب التأملي ‘物’ ، وقد خضع هذا المفهوم المعقد إلى عدة تفسيرات عبر الزمن لذا فأن تعقيده لم يقتصر فقط على الغرب بل لاح اليابان كذلك، وقد تم تقديم المصطلح وجرى استعماله لأول مرة من قبل المفكر والاديب اللغوي الياباني موتوري نوريناغا، والذي كان اقد اولى اهمية جوهرية لفهم هذه التجربة الجمالية كونها مهمة لفهم الثقافة اليابانية وتطورها مع التطور الثقافي للبلد. يمكن ترجمة المصطلح بشكل حرفي لمعنى مقارب ل”رثاء الأشياء” ولكن هذا لا يقربنا بأي شكل من أستيعاب المفهوم ذاته، يقدمه لنا نوريناغا هذا المفهوم من إطار يمكن من خلاله فهم التراث الياباني وتعريف الهوية اليابانية، معتبراً اياه سمة وهوية تخص الشعب الياباني التي قادت وشكلت كذلك تطور الحضارة اليابانية على مدى قرون، وفي محاولتنا للنظر في الماضي بحثاً عن أصله نجد ان اول تعبير ادبي مسجل ينقل هذا الشعور يعود إلى القرن الثامن في ال “مانيوشي” او “مجموعة العشرة آلاف ورقة” وهي مختارات شهيرة من الشعر الياباني تعود إلى القرن الثامن، نجدها مقرونة بأصوات زقزقة الطيور وعجيج الحيوانات وأزيز الحشرات، والتي تصدر أصوات نداءاً للتزاوج وكذلك تكون سببا لجلب الموت السريع لها، إستعارةً حسية للأضمحلال والمثول للفناء. في محاولته للتعريف بثلاث مفاهيم ادبية أساسية 《ماكوتو》و《فوجا》و《مونو نو اواري》يرى نورييناغا ان جوهر الأدب الياباني يكمن في هذا الأخير، وفي سعيه لتفسير الأنماط التي تتجلى عندها المفاهيم الإستطاقية يلفت إنتباهه التكرار غير المعتاد لمفهوم “aware” في “حكاية غينجي” بواقع أكثر من ألف مرّة!، مما دفعه إلى تفسير الرواية كاملة إستناداً الى هذا المصطلح ودراسته من الناحية الإشتقاقية والتعبيرية. عند شرحها تطور هذا المصطلح في كتابها الذي حلّلت فيه روايات “جين اوستن” إستناداً لهذا المصطلح، ترى ماري إيلوود ان إستخدام المصطلح كان لغاية التعبير عن المشاعر القوية كالسعادة، الخوف، والإشمئزاز لكنه إقترن مع الزمن بتعبيره عن الحزن، وقد وُجِه هذا التطور بالكامل خلال عصر نوريناغا وأُشتُقّ إصطلاح خاص للتعبير عن الشعور المرتبط بالسعادة وهو ‘天晴れ’ وعلى الرغم أن المصطلح “مونو نو اواري” لم يرد سوى 14 مرّة في “حكاية غينجي” فقد إختاره نوريناغا بدلا من ‘哀れ’ “آواري” محاولة منه لتمييزه عن دلالات الحزن البحت ولينأى عن التفسير أحادى الأبعاد مشددا في تحليله على نقل الجانب العاطفي العميق للتجربة، مقترحاً اهمية كتابة المصطح بأستخدام الحرف الصيني التي تحمل معنى “الشعور”، شعورٌ عميق معقد تثيره التجربة الحسّية يُوقِظ في النفس الحزن والسعادة في آنٍ واحد. يربط لوماس تيم هذا المفهوم بجماليات الزن، معتبرا انه ليس سمة مميزة للجماليات اليابانية فحسب، بل هو قريب بشكل عام من التجربة الإنسانية، مركزاً بالخصوص على وجوده في الجماليات الصينية وفي مقدمتها المقاربات الفنية التي تطورت خلال عهد سلالتي تانغ (618-907) وسونغ (960-1279) من منظور الزِن ، يربط لوماس مفهوم «مونو نو اواري» بمبادئ التقدير والإحتفاء بالجمال، إذ يمكن ان تساعدنا في ادراك الجمال الخفي في الطبيعة الغامضة والديالكتيكية للوجود، وإن الوعي بشجن ورثاء الأشياء هو أحد المبادئ التي شكلت الى حد كبير تطور الجماليات اليابانية، مما يؤكد لنا أهمية هذا المفهوم الذي يربطه لوماس بالتقاليد البوذية وتحديدا بفهم علامات «اللاكشانا» الثلاث (العلامات الثلاث للوجود المشروط Tilakhana) والتي وفقاً لها فإن انكار او جهل اول اثنتين وهم، ‘Anicca’ وتعني عدم الثبات او الزوال و ‘Anattā’ وتعني إنعدام الجوهر ، يمثل شرطاً ضرورياً للثالثة ‘Dukkha’ والتي تعني المعاناة وعدم الرِضا، فيُرى في الفهم العميق، والقبول لمبدأ عدم الثبات أو عدم الإستقرار والذي يمثل طبيعة الحياة، بأنه يعبّد طريقاً للتحرر من المعاناة. ويشدد لوماس ألا ينشى خلط بين هذا الشعور والحزن السامي، أي التعريف به من منطلق سامٍ رومنسي والتطبيع مع حساسيته الميلانكوليّة، بل