مراجعات

مراجعة: Look Back وماهية حياة المبدع

ستون دقيقة بالكاد تُعتبر وقتًا كافيًا في صناعة الأفلام، لذلك تتجه الأغلبية إلى مدة أطول، وبعضها قد يكتفي بهذه الدقائق، لكنك لن تتوقع منه تلك التجربة الكبيرة؛ تجربة قادرة أن تعلق في فكرك، بل أن تلمس جوهر كيانك، فتشعر بانقباض في صدرك يتلو هذه التجربة، انقباض يغرق كل من في السينما في صمت يتواصل إلى الثواني الأخيرة، وبعدها، فلا تدري، والدموع تكاد تفلت من عينيك، إن كان يحق لك أن تكسر هذا التفاعل المهيب بوقوفك للخروج من القاعة.

لن تتوقع ذلك من فيلم واقعي، فما بالك بفيلم أنمي…

إن كنت أبحث عن قصص بهذا التأثير رغم قصرها، لكن في عالم المانجا، فمباشرة ستحضرني مشاهد من ذكرياتي التي تسبب فيها فوجيموتو-سينسي مع قصته “وداعا إيري”، التي بدأتها في دقائق من استراحتي أثناء عملي على مشروع تخرجي في الشركة، بنية أن أنهيها بين الاستراحات، لأجد نفسي ملتصقا بالشاشة وأنا أقلب الصفحة وراء الأخرى، إلى أن أنهيتها ونسيت الشركة والمشروع.

تلك كانت بدايتي مع وانشوتاته، ومع أني بمجرد انتهائي منها بحثت عن بقية قصصه القصيرة، ومع أني وجدت “انظر إلى الوراء” حينها، لكني أدركت أني استهلكت من المشاعر ما يكفي لجلسة واحدة، وأجلتها إلى أن قرأتها في ذات يوم بعد مرور أشهر، وكنت محقا في تأجيلها وقتها، وفي تأجيل الفيلم المقتبس منها بعد ذلك، إلى أن تابعته فقط البارحة، رغم كل المديح الذي استحقه حين نزوله.

ولم يخيّب الاستوديو ظني، إذ ترك في نفسي ما تركته المانجا: انبهار يقبض القلب.

القصة

“انظر الى الوراء” كما قلت هو فيلم انمي مدته بالكاد ستون دقيقة، لذلك لا اريد ان احرق قصته في حديثي عن القصة او الجانب البصري والسمعي. اما الرسالة، علي ايراد بعض منها لتكتمل صورتها. وباختصار، يدور الفيلم حول فتاتين بطباع مختلفة، الاولى واثقة من نفسها، والاخرى تكاد تتعفن في غرفتها، وكيف جمعهما حب الفن ورغبتهما في ان تصبحا مانجاكاتين. وانصح ان تتابعه قبل ان تقرأ شيئا عنه كي تتفاعل معه بنفسك، فلا يكون مجرد عمل عابر تراه.

الجانب البصري

بصريا الفيلم كان افضل بكثير من الانميات الثانية المقتبسة من مانجات فوجيموتو سينسي، واعني بذلك “رجل المنشار”. المشاهد رائعة خاصة في رسم محيط الشخصيات وتفاعل الاضاءة معها مثل الحقول او الفصول والنوافذ.. الى جانب اتقان التعابير، وان كنت اتمنى ان ارى تحولا في اسلوب الرسم في النصف الثاني للقصة مثلما كان في المانجا لما كان لذلك من تأثير.

الجانب السمعي

للموسيقى هنا دور يتجاوز المعتاد في الاعمال المشابهة اذ يتألف الفيلم من مشاهد عديدة صامتة، لذلك عملية التلقي والفهم استندت كثيرا عليها. فمشهد الانعزال والغرق في الرسم قد يبدو لفئة من المشاهدين سلبيا يوحي بالضعف وتدهور قدرات الشخصية، في حين الموسيقى تدلك على العكس فتريك ان هذا في الحقيقة مكمن قوة وارتقاء روحي وعملي. ثم تتجاوز الموسيقى مجرد التبرير لتصير بنفسها عنصرا في السرد، فرغم انها مشاهد متشابهة ظاهريا، الا ان مع الانغام ندرك ان شخصيتنا تتطور وتقدمها جار. وقد ابدع هاروكا ناكامورا في تقديم كل هذا.

كيف ارى القصة

من حياة الرسام وكاتب المقال

وتجمعت هذه العناصر كلها لتروي قصة لا تعتمد الخيال المحض بل تنبني على حياة المؤلف الاصلي، لا من جهة الاحداث والشخصيات، لكن من جهة روحها. فلو تتبعت مقابلاته ستجد ان فوجيموتو صرّح في مواضع كثيرة بالعديد مما مرت به الشخصية من معاناة مع الفن ونظرته السلبية لما ينشئه، والمقارنة المستمرة مع ما يقدمه الغير. وان كانت القصة مبنية على تجربة المانجاكا، فان من السهل تعلق الانسان بما تقدمه، لانها مشاعر لا تخص الرسامين وحدهم ولا الفنانين، بل هي تتعلق بكل شخص يريد ان يثبت ذاته ويبدع في حياته من جهة العمل او غيرها مما يسعى الشخص للتقدم فيها.

لذلك كان من الصعب على كاتب المقالة ان يخط ما تقرأه، فهو ايضا يريد الافتخار بما صنع، وايضا كما حدث لفوجينو رأى ما يكسر غروره الشخصي ويذكره انه في الواقع لا يتجاوز كونه كاتبا مبتدئا لا يكاد يدرك شيئا. ربما يأتيه مديح من هنا وهناك، لكنه مشابه لحديث الاطفال لها المنبهرين برسمها لأنها قادرة ان ترسم، لا لانها متمكنة من الرسم، لذا لا شك حين يروا ما هو افضل سيتراجع التقدير، وسيعتبر ما صنعت وما اصنع مجرد شيء متوسط، فكما قال زميل الصف على اليسار “تبدو رسوماتك عادية مقارنة برسومات كيوموتو”.

العثرة الاولى: المقارنة بالآخر

الاصطدام بهذه الحقيقة ليس هينا على من كان، لكنه من قبيل الالم المحتاج اليه، فمن يعيش في برجه العاجي لن يتقدم ابدا. وعوض الالتفاف تحت البطانية والبكاء، الحل هو الجري نحو اقرب قرطاسية وشراء الدفاتر والاقلام وكل المراجع التي تحتاجها لتشحذ مهارتك. وهي اول نقطة يصفى فيها القادر عن العاجز. وبالحديث عن العجز، قد يظن ان بعض المجهود كاف، فوجينو تقول لا! ان اردت التحسن اسكب روحك فيما تصنعه: لا وقت لتضييعه في التفاهات الاخرى اليومية. وهي تفاهات لا من ذاتها، وانما في نظر من له سعي اكبر يطمح له. وان كنت احترم هذا الفعل، واشد ما اعجب بالشخص الذي يخصص حياته في خدمة هدف ما، الا ان بعض الافعال اليومية لها قيمة قد تساعد في التطور مساعدة غير مباشرة، مثل ممارسة الرياضة والتواصل مع الاصدقاء تواصلا معتدلا الخ.. لكن لا يمكنني الانكار ان الحماسة الزائدة تنسي الانسان تلك الاشياء احيانا.

العثرة الثانية: العجز رغم الاجتهاد

التطور مسألة صعبة، لذلك رغم كل ما بذلته فوجينو مازال اسلوبها لم يرتقِ ما يكفي ليقارن مع جودة ما قدمته زميلتها الغائبة، وان كان تطورا عما كانت عليه قبلا. فما كان منها الا ان تركته. وهي العقبة الثانية للمبدع، ان يمتلك جهدا ونفسا طويلا يساعده على المواصلة. وتصرفها قد يكون مستغربا، لكن اراه اكثر منطقية ممن يفقد نفسه ويستبدل ذلك بالبكاء والتململ والكآبة. ان فقدت رغبتك وقدرتك، اترك ذلك الشيء. الحزن المجرد لن يؤدي لاي معنى. ومع ذلك، فانها استعادت قدرتها بالنفس الذي امدته بها كيموتو، الغريمة التي في الحقيقة هي اشد المعجبات. وبمجرد ان اتاها التشجيع، عادت الى فنها مع مشهد عودة للمنزل تحت المطر اقرب للرقص. فتلقي التقدير من افضل ما يوقد تلك الحماسة، خاصة ان كان ممن تحترمه او تنافسه، وان كانت كل المنافسة في عقلك.

Fujino is a fourth grader who draws a manga strip for the school newspaper. Her art makes her the star of the class, but one day she’s told that Kyomoto, a student who refuses to come to school, would also like to submit a manga for the paper…

الانفتاح على العالم

تقضي بعدها الفتاتان وقتهما في انجاز قصتهما التي ينويان المشاركة بها في مسابقة، ومع كل التركيز عليهما وهما يرسمان، الا انه لم يذكر موضوع القصة، فهي غير مهمة حقيقة للرسالة، انما فعل الرسم هو المهم. ومع ان الفكرة اتت اعتباطا للتخلص من حرجها امام المعجبة السرية، الا انها الخطوة المنطقية التالية للتقدم. فعوض ان تبقى صانعة مانجا (او اي شيء تصنعه) بمجرد اكتساب القدر المحترم من القدرة، من الجيد ان تضع نفسك في نفس المحيط الذي يعيشه بقية من في فنك، فترتقي معهم ولا تبقى المشاهد من بعيد.

العثرة الثالث: العودة الى الوحدة وضغط العمل

ويبدو ان بطلتنا تخلصت من الروح “الانتقامية” في رحلتها، فلم تعد منعزلة بل تخرج وتستمتع مع صديقتها، وصار التقدم مبنيًا على الطموح والرغبة في اثبات الذات اكثر منه على اسباب سلبية كمحاولة الهرب من الشعور بالضعف الفني. وتواصلت هكذا تحقق الانجاز بعد الانجاز الى ان اتى وقت الفراق، فصديقتها ميالة الى التطور المبني على دراسة مقارنة بها التي تريد المواصلة في طريق العمل بالفن ونشر سلسلة اسبوعية. وكلا الطريقين صحيح ومبني على مقاربة مختلفة للمسألة، لكنه يعكس تنوع الطرق التي يسير عليها المشتغلون بكل فن. وان كانت البطلة حاولت اجبار صديقتها على البقاء معها عبر تحطيمها معنويا، لكن ارادة الصديقة اقوى. وافترقتا.

يخوض بعدها الفيلم في لقطات عن حال فوجينو مع سلسلتها: صعود، نزول، صعود اكبر، نزول كارثي، عودة للتصاد، استقرار، نزول اخر… لا بد ان تقييمات المتابعين كانت من هواجس فوجيموتو سينسي. هل قلت ان فوجينو وفوجيموتو اسمين متقاربين؟ الاشياء التي تلاحظها لما تركز. مسألة المواعيد ايضا لم تكن ذات تأثير اقل عليه كما كانت في الفيلم اذ عبر من قبل عن حزنه كلما اضطر لحذف تفصيل من التفاصيل لان عليه تقديم الفصل غدا ولا وقت للزيادة!

العثرة الرابعة: العالم

رغم قراءتي للوانشوت لكن تناسيت وانا اشاهد اتصالها بالمانجير وانتظرت وهي تشتكي من مساعديها ان اسمعه يقترح عليها كيوموتو… لكن الفاجعة هي ما حصل. مثل كثير من اعمال العنف العشوائية من اشخاص يرون انهم ظلموا، تسبب احدهم بقتل صديقتها التي تشاركت معها الاحلام وحاولتا التقدم سويا. ماتت ولم يعد لحياتها وجود.

اثناء زيارتها لمنزل صديقتها وقبل ان تفتح الباب رات القصة التي كتبتها لها. القصة التي كانت سبب تعرفهما على بعض والسبب الذي اخرج تلك من عزلتها لتنتهي في مدرسة الفنون كطالبة ولتنتهي في الاخير ضحية لفأس. لامت نفسها واعتبرت ان ما فعلته هو السبب الرئيسي لما حصل وكانها مشاركة في الجريمة بفعلها هذا فمزقت القصة ولكن جزء منها، الجزء الذي يقول لصديقتها ان لا تخرج، انزلق تحت الباب مثلما انزلقت القصة في اول لقائهما.

With his mother dying, Yuuta attempts to capture her last days on his phone. After her death, Yuuta heads to the roof of the hospital to commit suicide, but a meeting with a strange girl leads him on the path to making a movie.

من يمتلك الخيال يمتلك العالم

بعد انزلاق ذلك الجزء نشأ عالم جديد اين لم يلتقيا. صحيح ان في ذلك العالم لم تواصل هي شغفها بالرسم لكن صديقتها ذهبت للجامعة لتتعلمه، وحينما اراد القدر ان ينقض عليها بفأس ذلك الرجل الترابي، فجأة تقفز فوجينو وتركله ركلة ترسله خمسين مترا الى الامام وتحمي صديقتها كبطلة شونين وتنقذ الموقف. فتندهش كيوموتو التي بمجرد ان تسمع اسم فوجينو، التي تنقل الى المستشفى بعد ركلتها الخارقة التي كسرت رجلها، تسألها ان كانت حقا هي فوجينو الرسامة وتندهش وتعبر عن اعجابها وتقديرها و.. و.. وتسألها عن سبب توقفها، والذي كان هذه المرة ايضا انها تريد كتابة مانجا وربما ستستعين بفوجينو وتجعلها مساعدة.

وكانت فوجينو سعيدة بهذا الحدث لدرجة انها رسمت عن ما حصل… اليس من الافضل ان ترى صديقتك منبهرة بك وممتنة لما فعلتيه على ان تري انها ماتت خائفة مذعورة وحيدة بلا ذنب بينما انت بعيدة في امان فوجينو؟ الواقع مرير وقاسي، لذلك يجد الفنان في خياله مكانا يرتاح فيه من تلك المرارة ويساعده ان يتجاوزها.

ثم تعود كما بدأت القصة امام طاولة ترسم لساعات وساعات. العالم من حولها تغير، علاقاتها تغيرت، هي ذاتها تغيرت، لكن فنها وسعيها باقيان كما كانا. ويتواصل الفيلم وهي ترسم واسماء العاملين عليه تمر، ثم تستيقظ من ما رأيته ناظرا الى شاشة سوداء وقد انتهى.

الخاتمة

رغم جمال القصة، لم يغادر شعور الضيق صدري كلما فكرت فيها. من السهل ان تعيش الحياة على الهامش دون ان تلحظ مرورها، لكن ان كان لك شيء تريد تحقيقه وترى العالم يتغير ومازلت في سعيك ذاك.. الطموح شعور لا يعوض لكن فيه حزن خفي. ربما هو حزن شخص يريد ان يصنع ولم يسر بعد كما يجب عليه ان يسير.. مهما كان اشتري ما تحتاج من المكتبة واجلس امام الطاولة وابدأ.

Scroll to Top