كاغويا أميرة الفضاء: قراءة معاصرة للقصة الفلكلورية
تعد حكاية حطّاب الخيزران “Taketori monogatari” من أوائل كلاسيكيات الادب اليابانية التراثية التي تناقلت جيلاً عن جيل على مر العصور وصدرت في طبعات مختلفة وتمَ إعادة كتابتها مراراً من قبل أعلام الادب الياباني أمثال ياسوناري كاواباتا، والتي تأثرت بدورها بفلسفة الخلود الصينية والايمان بقدسية القمر، وقد وظفت في نصها حساً فكاهيّاً ساخراً من مجتمع تلك الحقبة، وهي في اساسها حكاية تطورت تدريجياً مع تطور اللغة وقُصَت من بعدها إلى روايات متعددة عبر التناقل الشفهي المتواصل.
بحسب الجزء الذي تمعن النظر فيه من “حكاية حطاب الخيزران” فأن شخصية الأميرة كاغويا تمثل مزيجاً من شخصيات فولكلورية وأدبية، كما تحتوي القصة كذلك على ثيمات وعناصر سردية مستوحاة من الأدب الطاوي الصيني، وبالتالي فأن النص الأصلي المتشعب والمتجزأ تشكل عبر العصور وبفعل الفجوة الجغرافية التي تفصل بين الصين واليابان،
“كان ياما كان في الماضي السحيق، ماذا؟ او لعله ليس كذلك؟ ربما في المستقبل البعيد؟ لا، لا في الماضي السحيق ولا في المستقبل البعيد بل في عالم يعيش حاضرنا متقدماً بضع سنين”
افتتاحية فلم الأميرة كاغويا والتي تعد اعادة تصور ل”حكاية حطَاب الخيزران” تختلف في الكيفية التي تقدم من خلالها القصة عن افلام الانميشن التي تقدم نفسها في العادة بالاستعانة بالإخراج البصري
ففي فلم “ليز والطائر الازرق” كمثال تختفي هذه السردية مستبدلة إياها بالصور والعناصر البصرية والتي تمكننا من إستنتاج كل ما نريد التوصل إليه من خلال خطى الشخصيتين اذ تعطي إنطباع لا واعي بطبيعة علاقتيهما، مصحوبة بنغمة تناسب الأجواء.
إستحضاراً لأحدى كتابات يوشيوكي تومينو، مخرج سلسلة جاندام، طرح فيها رأيه حول أهمية تجانس العناصر في تقديم القصة، إذ ان اختلاف إيقاع لقطة عن أخرى- بالنسبة له- يُشكِل من إمكانية متابعة الجمهور للقصة بسلاسة، تتضمن الأيقاعات هذه كذلك الصوتيات المصاحبة للصور المتحركة، ومن هذا المنطلق، تقدم افتتاحية فلم “ليز والطائر الازرق” تعبيراً فعالا ومتناسقاً منتفعة من هذا الانسجام السلس ما بين هذه الجوانب الفنية المختلفة، لكن تطبيقاً لهذه الكيفية نجد في ان فلم ” كاغويا أميرة الفضاء” لا يستوفي هذه المعايير في إفتتاحيته، إذ ان الصورة جاءت مصحوبة برسالة تتطلب معالجة وليس صوراً مباشرة سهلة الإستيعاب إلا ان هذه الصور لا زالت قادرة ان تتشكل ذاتيا، مستقلة عن الحدود المادية ويمكّنها ذلك من نقل تجربة مستقلة قائمة بذاتها، وهذا يقدم لنا منظورا جديدا كلياً لفهم إفتتاحية “كاغويا أميرة الفضاء” اذ ان ما يدعى ب”الصورة”، تحوز على سيولتها الخاصة، وبتسليط الضوء على الأفتتاحية السردية “الكان ياماكانية” والتي تقدم تفسيرها للصور البصرية التي امامنا، تضفي طابعاً مُصطنعا ل”طبيعية” الصورة. لذا فبدلاً من إعتباره الوسيلة هذه عيباً، فأن من الاجدر اعتباره سمة تميز ستايل هذا العمل.
وفهم هذا الأسلوب سيتطلب الإسهاب في الحديث عن إقباسات العمل (تحديداً الرواية الخفيفة) رغم ان المقال لم يكن من المفترض ان يركز على إقتباس آخر غير الانمي الا اني استهللت بالكتابة عن أصل الحكاية على أي حال ، لذا فلربما ان عملاً كهذا ساهمت وسائط وأقتباسات وعناصر عدة في تكوينه لا يمكن الحديث عنه الا بوصفٍ شموليّ.
كأي عمل انميشن مقتبس من وسائط فنية متعددة (multi-media) فأن من المعتاد ان يبرز كل وسط نقاط قوته حاملاً بذلك جزءاً من القصة مثرياً ايّاها بأحدى العناصر التي تميز هذا الوسيط عن غيره
لعلّ كاتب قصتنا هذه امتعض بنفس قدر إمتعاض كاغويا للكيفية التي انتهت عليها القصة الأصلية ل”حكاية حطّاب الخيزران” وقرر عندها ان نهاية قصة إيروها ستكون سعيدة، وذلك بعد إنتهاء القصة بالكيفية التي كان يجب ان تنتهي عليها، الا ان إستكمال القصة وإعلان ايروها بأنها “ستخلق نهايتها السعيدة” لم يكن محض تلميح للكيفية التي سينتهي بها العمل، بل هو تجلِّ لطبيعة “المونوجاتاري”، وهو في كونها قابلة لأعادة السرد والتصور،
وفي محاولتنا لتفحص سمات “المونوجاتاري” من وجهة نظر صناع العمل نجد ان سحر العمل والذي جعله يلاقي هذا النجاح الهائل، هو في كونه يسعى لجعل التصنيفات والأفكار المختلفة تتكاتف مع بعضها لتنقل لنا القصة، يشير إليها أوتسوكا إيجي في مقالته “العالم والتنوع” بنظرية الإستهلاك السردي
إستكمالاً للحديث عن الـMulti-media،
يرى أوتسوكا ان العلاقة بين هذه الوسائط وشموليتها تحول السرديّات الصغيرة التي تتكامل مع بعضها الى سردية كبرى، وان ترابطها مع بعضها هو ما يجعل إستهلاكها جذاباً للجمهور.ولكن رغم هذا فأن الجمهور ليسوا على إستعداد لتقبل جميع جوانب وسط او اقتباس محدد لأن إقبالهم عليها ليس بالضرورة هدفه فهم الصورة الاكبر،ولأن الجمهور ميّال نحو وضع انطباعاتهم الشخصية عن طباع شخصياتهم المفضلة وكيف تتصرف وتتفاعل في المواقف المختلفة، فرغم صحة افتراض ان الشخصيات التي ضُمِّنت في قصص ووسائط مختلفة لا تسلك المسار ذاته ولا تمارس السلوكيات ذاتها بالضرورة، وفي بعض الاحيان تترك انطباعا مختلفاً، الا ان هذا يكون في حدود الأفعال والسمات التي تتفرد فيها الشخصية، وأستطيع ان اطرح مثال المانجا المقتبسة من الرواية الخفيفة التي اثارت بعض الجدل حيث احدث فيها المانغاكا تارُو يونيدا ما يوصف بـmischaracterization لبعض الشخصيات،
والتي لاقت سخطاً من الجمهور، وهو فعل لا يمكن تبريره ببساطة قول انها قصة موازية، لأنها تعد إقتباس مباشر للقصة الاصلية مما يضعها تحت المجهر ويطالبها في ان تستوفي ما بنت عليه القصة الأصلية، ففي الآخر هي ليست بDoujin من عمل الفانز بل إقتباس لقصة أعدت مسبقا للحبكة وبروفايلز الشخصيات، فبينما قد يتقبل الجمهور اي تفاصيل جديدة وتوسعاً في القصة وتشعباً في الحبكة، فأن اساءة تقديم الشخصيات يضل خارج مجال تسامح هؤلاء الجماهير، خلاصةً- في حين ان الأعمال التي تقتبس إلى وسائط فنية متعددة، ك”كاغويا أميرة الفضاء” تتطلب منا التفاعل مع عدة ثيمات وتصنيفات لغرض تقريبنا من فهم القصة بشكل اكبر، إلا ان الواقع يخبرنا ان ما يسعى الجمهور إليه هو العلاقات ودواخل الشخصيات ذاتها، وهذا يوضح لنا ضمنياً الفوارق ما بين العصر الذي طرح فيه اوتسوكا نظريته تلك و العقلية الإستهلاكية للجمهور المعاصر.
ثلاث عطور بسعر واحد, استخدم كود REE109
“سبق وأتيحت لي فرصة العمل على عدة أفلام انميشن قصيرة، لذا فقد اثارت حماسي فكرة ان تتاح لي فرصة العمل على مشروع فلم روائي طويل، ورغم كونها تجربتي الأولى الا اني أعتنيت وحرصت بشكل شخصي على تكامل العمل بصرياً، وبذلت قصارى جهدي لأتقان ادق التفاصيل الفنية، ليس فقط لكوني شغوف بالرسم، بل لأيصال الرسالة من غير أي معوّقات”
ادلى شينغو ياماشيتا، مخرج وكاتب العمل، في مقابلته ببعض التفاصيل الأنتاجية التي تخص العمل مؤكدا ان العمل تم انتاجه مع وضع الجمهور في عين الأعتبار، بما في ذلك تفاصيل تخض الأقتباس وتضمين مشاهد واجزاء دون اخرى، مثل قرار إهمال حبكة “الخِلاف والتصالح” بين البطلتين كما معلوم فأن محدودية مدة عرض الفلم لا تسمح له بأن يُجترّ الى منعطفات لا يعلم منتجوه فيما لو كانوا قادرين على التوصل الى ختامية مرضية، ويعزى كذلك الى الاختلاف الجوهري بين طبيعة الأوساط الأدبية والمرئية (الرسوم والصور المتحركة) كما اشار لذلك المخرج في مقابلته، و أيضاً ولأن العمل تم انتاجه مع وضع الجمهور في الأعتبار فقد كان من الاجدر تلافي أخطاء وقعت فيها انتاجات سابقة التي تركت انطباعاً سلبياً لدى الجمهور بتضمين حبكات إضافية لم يتمكن العمل في مدة عرضه القصيرة من التوصل من خلالها لنهاية تشفي غليل المتابعين، او على الاقل لا تترك انطباعاً مريراً لديهم.
فلم “Chou Kaguya-hime” او كما يطلق عليه بالعربية، “كاغويا أميرة الفضاء”، قدم منظوره الخاص لحكاية حطّاب الخيزران، وأضاف لمسة جديدة معاصرة للـ”Mukashibanashi” التي تغلب تقاليدها القديمة على طبيعة النص، اذ خرج الفلم عنها ووسّمها بالعصرية وأعاد تفسيرها بما يلائم نهج وطبيعة الفلم، والتي في جوهرها تدور حول العلاقة بين الفتاتين، يخدمها بذلك كون النص الأصلي ذا إطارٍ إجتماعي غير منتصرٍ للعلاقات المغايرة جنسياً بشكل خاص، ففي النص الأصلي ترفض الأميرة كاغويا دعوة الرجال الخمس للزواج، ولم تستجب الا بإلحاح من الحطّاب العجوز وسلطة الإمبراطور فيما بعد، فأشترطت بأن “من يثبت لها صدقه وإخلاصه ويريها ما تريد رؤيته فهو الأحق بالزواج منها” والحدث اللاحق المتمثل بقدوم عشيرتها لإصطحابها، هذا يتماثل مع مشهد في الفلم الذي تحث فيه كاغويا أيروها على حمايتها من الرجال الذين وعدت إعتباطياً بالزواج منهم،
ولم يكن اول عمل يقدم المنظور هذا لقصة الأميرة كاغويا، فأنمي “world dai star” بطابعه المسرحي قدم تصوّره الخاص للقصة، وكونه عمل يتكون من كاست شخصيات نسائي يدور حول العلاقات الأنثوية، بما يمكن اعتباره سابقة لفلمنا هذا
في مشهد “تقدم كاغويا للزواج من إيروها” تطرح الرواية في فصلها الرابع المشهد بتفصيل إضافي إذ يخدمها وجود المونولوجز،
“ليس الامر أننا لا نستطيع، ولكن هذا كثيرٌ عليّ، وهناك أيضاً التعقيدات القانونية”
يتضح لما من خلاله ان ايروها تفكر فيه من منطلق ميولها الجنسي.
ان تقديم حوار كهذا يكلل نجاح النص في تقديم العلاقات الانثوية للMainstream ليس لكون الفلم يشكل بالضرورة “تمثيلا أعمق لمفهوم اليوري والعلاقات المثلية” فرغم إجادة تقديمه هذه الثميات إلا ان “المباشرية” لا تعني بالضرورة “النهج الامثل” في كل الحالات ولكن لكون الفلم قدم للعلاقات الأنثوية حضورا قوياً وساحراً فيما احتفظ في الوقت ذاته بجاذبية العمل محافظا عليها من دون إنتقاص، إذ ان تضمين هذه العلاقات هو تحرر من الأُطر التقليدية بتخلصها من أنماط التفاعل الشائعة في الافلام التي يكون بطليها فتىً وفتاة، إذ ان اعمال مثل “سوزومي” من اخراج ماكوتو شينكاي برغم من تصريحات المخرج التي ادلاها لوسائل اعلام اجنبية اكد فيها ان نيته كانت بتقديم بطلتين و “سردية يوري” ورُفض هذا المقترح نظراً لأن “العلاقات الانثوية-الذكورية هي الاكثر نجاحاً وشعبية”، يأتي فلم كاغويا أميرة الفضاء ليدحض هذا الإدعاء وليؤكد انه يمكن تقديم عمل ناجح تجارياً يجذب فئة واسعة من الجمهور وارقام مبيعات الرواية الخفيفة واداء الفلم في شباك التذاكر يؤكدان ذلك، ولكن رغم نجاحه في زيادة شعبية هذا الصنف الا انه لا يمثل ظاهرة جديدة، فقد ساهمت اعمال عديدة في إثراء هذا النوع وزيادة شعبيته من انتاجات السنين الأخيرة (تلك التي تصوّر العلاقات الأنثوية)، رغم أنها لا تنتهج ذات الكيفية التي اعتمدها المخرج ياماشيتا في تقديم هذه العلاقات، والتي تطرح السؤال ذاته الذي ناقشناه، هل من الضروريّ حقاً التوصل لنهاية سعيدة؟ هل من الضرورة حقا التوصل إلى إجابات شافية لكل شيء؟ الا بأس لو ضلّت الشخصيات معلقة بسلسلة لا نهائية من الاصداء، تطرح تساؤلات عِدّة من غير الحصول على إجاباتٍ شافية؟
في أنمي “باندوري: آفي موجيكا” تتعرض الشخصيات لشتى أشكال الصراعات و المشاق، بما يتمثل بصراع على السلطة، وظهور حالاتٍ من الامراض النفسية كالتراوما وإضطراب الشخصية الإنفصامية، تأتي الحلقة التاسعة التي تعلن فيها الشخصية الرئيسية عن بداية صفحة جديدة من غير النظر في تبعات هذا القرار، وهذا يحبط الجماهير الباحثة بأستمرار عن إجابات شافية ومباشرة، في فلمنا هذا، فأن التساؤلات التي تطرحها القصة تمس في الأساس جوهر غاية ابطال القصة الكامنة في بحثهم عن إجابات مقنعة، رافضين ان يتم التخطيط لنهاية توازي “الموكاشيباناشي” بل تتجاوزها وتصنع لذاتها هوية جديدة مستقلة.
في مقدمة ترجمته العربية لحكاية قصّاب الخيزران، أشار عصام رياض إلى كونها تعتبر ما نطلق عليه اليوم بـ”قصص الخيال العلمي” اذ تتصل مخلوقاتٌ فضائية عبر مركبات خاصة بالأرضيين، متخذة صورهم وهيأتهم، وإن كاغويا تمثل عنصر الخيال العلمي المشترك لجميع هذه الاقتباسات فهي تأتي من الفضاء ويزرع وعيها بجسد آلي في نهاية الفلم، مما لا يبعده كثيرا عن روح النص الأصلي، وإنّ سلاسة إمكانية دمج عناصر الخيال العلمي هذه تكمن في الدور الذي تلعبه “المونوجاتاري”، إذ ان إستهلال القصة بعبارة “في قادم الزمان” يوفر قدرا من المشروعيّة للأحداث الجارية في النص الأصليّ، تلك الأحداث التي لا يمكن تفسيرها جميعاً، هذا ما اشار إليه الأديب الياباني ريونوسكي اكتاغاوا متحدثاً عن هذه التقنية السردية الادبية البسيطة وعن كيف تهدف العبارة الإفتتاحية هذه إلى خلق خلفية للأحداث غير المألوفة لتبدو لنا طبيعية، اشبه بعالمٍ آخر ذا قواعد خاصة به.
في كتابه ” The ecosystem of architecture” يتحدث ساتوشي هامانو عن فردانية ولامركزية المنصات اليابانية مثل mixi و winny و Nico Nico Douga مؤكدا على اهمية عدم الالتفات للمنظور الغربي الضيق لما يسميه “التطور الطبيعي” لبُنية الانترنت، مشيرا لأختلاف الانترنت في اليابان عن الصورة المثالية له في الغرب، يرى هامانو أن المعمارية التكنولوجية لهذه المواقع تشكلت بنيّة كونها بيئة للأندماج الجماعي والإنتاج اللامركزي، وإن هاتسوني ميكو متوافقة بنيوياً معها فموقع مثل NicoNicoDouga يوفر مساحة للمستخدمين للتعاون في الانتاج الموسيقي والتحاور البصري، محيلاً إياه من محض برنامج إلى منصة تواصل عملية، يناقش هامانو لاحقا ما يعرف ب”الإنتاج المشتق”، يشرح فيه إشتقاقية الأعمال، فالعمل يبدأ من فكرة يضعها الفنان، ليُشتقّ ويستلهم من انتاجات اخرى فيما بعد.شارك عدة Bokari-P (وهو مصطلح تعرفت عليه من مقابلة المخرج ياماشيتا يطلق على منتجي أغاني الفوكالويد والتي استخدمت voicebank هاتسوني ميكو) في انتاج اغاني لهذا المشروع،
وفي مقابلته اكد ياماشيتا ان تصميم ياتشيو مقارب بدرجة كبيرة لميكو إذ إنها صممت كإستهلام منها، بضفيرتيها ودرجات الازرق السماويّ للون شعرها, ومع وضع هذا بالاعتبار يمكن تطبيق نظرية هامانو وتحليل ياتشيو كشخصية من هذا المنطلق، فتنوع اعمال هاتسوني ميكو المشتقة تتقاطع مع قدرة ياتشيو على نسخ ذاتها لشخصيات متعددة، إذ ان كل ياتشيو تخاطب الجمهور تعتبر نموذجاً مستقلا، يطرح الفيلسوف الفرنسي جان بردريار في نظريته” Simulacra” فكرة ان النسخ تتوالد من نسخ أخرى حتى تختفي تماما قيمة الأصل، ولكن يرى هامانو عكس ذلك حيث ان هذه الاعمال المستقلة يمكنها الانتشار كثقافة شعبية دون الحاجة إلى ذلك الأصل، وإن الدورة الإبداعية هذه المتمثلة بخلق “ذوات جديدة” تتوافق مفاهيمياً مع الوعي الذاتيّ لياتشيو، فهي لا تُنتج من الBokari-P بل تخلق ذاتها بنفسها، وهذا معنىً رمزيّ لقدرتها على خلق نسخ لنفسها.
في الفصل الاول من الرواية تذكر ايروها بأن ياتشيو انقذتها، ما يمكن استنباطه من هذه العبارة هو ان ايروها قد كونت رابطة عاطفية مع ياتشيو حتى رغم اعتقادها بأنها ذكاء إصطناعي، وبعد عِلمها بحقيقة كونها وكاغويا ذات الشخص، ما يمكن وصفه بوعيّ ذاتي مجرد؛ ياتشيو ذات الجسد المادي التي قابلتها ايروها في آخر الفلم هي الاخرى آلة، لذا فأن العلاقة التي نشأت بينهما تحمل في طياتها دلالة الحب غير الانثروبولوجي (اللابشريّ)
خلال مدة التعريف بشخصية إيروها للمرة الأولى، والتي أستمرت لثلاث دقائق، تم تقديمها في مدة وجيزة وبطريقة تقديم سريعة ولكن مليئة بالتفاصيل وهذا مرتبط بحيوية الانميشن وتماسك العمل بصرياً، سأخصص فقرة خاصة للإسهاب في الحديث عن إتقان تقديم الجانب البصري في الفلم.
تتسم “الموكاشيباناشي” او الحكايات الشعبية اليابانية بإفتقارها لأضفاء أي عمق لشخصياتها الجانبية، فهي ترتبط بشكل لا مشروط ببطل الحكاية مؤدية فقط دورها القصصي وتختفي بعد ذلك من فضاء الحكاية، ولكن لا يعني هذا ان قصصهم، اقوالهم، وافعالهم تبقى غير واضحة المعالم، وهذا النهج يمكن تطبيقه لرؤية العلاقات المختلفة بين إيروها و باقي الشخصيات الثانوية من هذا المنظور، فالفلم لا يستطرد كثيرا بالتعريف بباقي الشخصيات، ويقدم أحداثه بسرعة في بعض المشاهد ويختصرها في مشاهد اخرى، رغم هذا الا ان الفلم نجح في خلق خلفية عن علاقات الشخصيات من خلال الـflashbacks وحواراتهم، نعرف منذ أول الفلم ان هناك خلاف ناشئ بين البطلة ووالدتها، ومن خلال حوارها مع كاغويا في فترات مختلفة من الفلم، نبدأ تدريجيا في فهم دواخل هذا الخلاف، تجيب أيروها في احدى حوارات الفلم حين تسألها كاغويا “هل تحبين والدتك؟” ب”أنها لا تستطيع الجزم وأنها تتمنى أحياناً لو كانت تكرهها” الإجابة تحيطنا علماً انه ليس خلافاً لا يمكن حله، لذا فهذا يدحض الانتقاد المتمثل بأن علاقتها مع والدتها قُدمت وحُلّت بسطحية، وعن طبيعة هذا الخلاف فيمكن أيضا ان نتعرف عليه من خلال حوار لإيروها ذكرت فيه بأن والدتها لن تلتفت إليها ما لم تذهب لجامعة طوكيو، إذ يُجبر الأطفال في بعض الاوقات على لعب دور الطفل الصالح نتيجة الحب المشروط الذي يفرضه الآباء عليهم، ولكن يمكن أيضا ان توصف بكونها رعاية غير مشترطة من دون تقبل حقيقي لا تقابلها أهليّة لذلك، يمكن اعتبار ان والدة ايروها تمثل هذا النوع، كمثال حين اخبرتها خلال أداءها في احدى مسابقات الموسيقية “انها لو أرادت فعل شيء فعليها أن تفعله على أكمل وجه” ولاحقا حين يخبرها ميكادو بأن والدتنا تنتظر منك ان تتمردي قليلا” فهذه الحوارات تشير بأن لوالدة إيروها طريقتها الخاصة في التربية ولكن من منظور علاقتيهما فأن هذه الكيفية تضع ضغوط هائلة على الطفلة، ورغم ان هذا يضعها في مواجهة قسوة العالم في سن مبكرة الا ان ايروها لا زالت عازمة على المضي حتى لو كانت على شفى الانكسار، حتى وان تهربت من مواجهة والدتها، ولعل بعدهن عن بعضهن لفترة جنب حصول السجال بينهما واتاح فرصة المواجهة المباشرة لاحقاً، فلم يتطلب من إيروها بعدها سوى إجراء اتصال هاتفي للتصالح مع والدتها، قدمت الرواية العلاقة بشكل مباشر اكثر، ولكن الحديث هنا مقتصر على الفلم فقط، والذي لا يخفى على أحد المينماليزم فيه من جانب تقديمه شخصياته الثانوية، مما وفر مساحة اوسع لتقديم علاقة إيروها وكاغويا، لكن رغم تقليص ادوار الشخصيات الا ان كل شخصية ساهمت بشكل ملحوظ في إثراء السيناريو بطريقة ما.
ذكر ياماشيتا في مقابلته أن خلق مشاهد الاكشن هي احدى نقاط قوته، والتحدي كان يكمن في كيفية التركيز على جانب “البلوغ العاطفيّ للشخصيات” وعلاقتهم ببعضهم، وكان الغرض هو في ان يتم تحقيق التوازن بين هذه العناصر المتعددة، فنلاحظ في مشاهد الاكشن تجلٍ لتطورّ ايروها كشخصية، سواء في علاقتها مع اخيها ووالدتها وعقد عزمها على البقاء إلى جانب كاغويا، إذ ان مع نهاية المنافسات الألكترونية نلاحظ أن وجود كاغويا في حياة إيروها بات وكأنه حدث طبيعيّ.
يشير إصطلاح “أوتوغي” في الثقافة اليابانية إلى عالم الخرافات والقصص الخيالية، ففي هذا النوع من الحكايات يتم تضمين ما تستلزمه حبكة القصة لجعلها تستمر، مع الاحتفاظ بهيكل القصة الأساسي، ويوجد عدة مواضع في الفلم يمكننا فهمها من هذه العدسة، من أستخدام إيروها السوار للتواصل و قيام كاغويا برفقة إينودوج بخلق عالم تسكيومي الإفتراضي وتمكنها من نقل وعيها فيه كبيانات حاسوبيّة، ولكن يحتفظ الفلم أيضا بجانبه الانساني الواقعي، فهي تقدم حياة الشخصية الرئيسية للقصة بواقعية صرفة، والتعريف الموجز لإيروها يوفر لنا كل ما نودّ أن نعرفه في هذا الشأن، فنجد انها تقاسي الفقر، وتُبتلى (وقتياً) برعاية طفلة، وتنأى عن الذهاب للطبيب حين تمرض بسبب التكاليف، إلى حد ان سردية الـotogi لا تنقص من إيروها شيئاً من تكامل بناءها كشخصية حية.
في الربع ساعة الاولى من الفلم، تردّ إيروها على إلحاح كاغويا ب”أن الصياح والغناء لن يغيّرا شيئا، وأن لا فائدة من محاولة تغيير العالم فلا يسعنا الا محاولة تقبله كما هو” تقدم لنا العبارة هذه منظور إيروها للعالم فهي تؤمن أن ليس لها إختيار ان تعيش حياتها بالكيفية التي ترغب، إن كانت مقدرة لها مسبقاً، كأنما تعيش عالماً بلا حكاية لتُروى، حقيقة أنها تمنت المال حين رأت شهاباً تُبلور بوضوح هذه الفكرة، فهي تعيش حياة ليس لها فيها قصة، ولكن حقيقة قدرتها على الاتكال على نفسها تعطيها الدافع للسير للأمام لمواجهة يومها اللامتناهي، حتى وإن كانت العملية تستنزف كل طاقة كامنة في جسدها، لتتبدل بعد ذلك بالكامل مع حضور كاغويا التي ازالت الغتمة عن حياتها.
ان تضادّ شخصيتيهما لحد ما هو سر جاذبية هذه الثنائية، فكاغويا بروحها العالية وحبها للإستكشاف، ومعاملتها للأحداث حولها كتجارب تستحق ان تخاض، قد غيرت من روتين حياة إيروها بالكامل، فيمكن أعتبار ان ارتباط كاغويا الوثيق بكاغويا هو انعكاس كذلك لأعادة استكشافها للحياة بأيجاد معنى لها وهروبها من ذلك الروتين ومن العالم الذي لايمكن تغييره.
سأتطرق الآن للحديث عن الجانب البصري، فعند الحديث عن أعمال الانميشن لا يمكن الأكتفاء بالحديث فقط عن المضمون القصصي، فتجاهل العناصر البصرية يمحو اي فوارق بينه وبين اي وسيط فني آخر،
“سبق وتم التطرق لموضوعات مثل الانترنت والعالم الإفتراضي VR في أعمال سابقة مثل فلم Summer wars لمامورو هوسودا، وقد تركت انطباعا قوياً لدى الجمهور، لكننا اردنا ان ننقلها للخطوة التالية من منظور هذا الجيل من الانميترز الشباب”
يتحدث هنا ياماشيتا عن بناء عالم تسكيومي الأفتراضي، وكيف أنه قدم تصوره الخاص للأنترنت، بكونه عالم موازٍ يمكن قضاء الوقت فيه، وليس رسالة ل”مناهضة الهروبية والعودة للواقع”.
وتحدث كذلك عن ما يميّز كل عالم منهما عن الآخر، اذ ان لكل عالم منظوره الخاص وخصائصه البصرية التي تختلف جوهرياً عن الآخر، فالعالم الواقعي يمتاز بدرجات الوانه المستقرة لبيئته وشخصياته، في تسكيومي تتباين درجات الألوان لكونه عالم صمم ليستوفي تفضيلات الأفراد الشخصية.
إلى جانب منظور هذين العالمين والنزعة اللإكستروبية لعالم تسكيومي، هناك أيضا العالم الرقمي لسكان القمر، والذي يعدّ اقرب إلى تسكيومي منه إلى الارض كما ذكرت كاغويا في حوار لها مع إيروها في آخر الفلم، في لقطة سريعة بعد اداء الفتيات لحفل “كأس ياتشيو” حين اجتاح سكان القمر عالم تسكيومي وتم جر كاغويا من يدها يظهر كودٌ على الشاشة بشكل خاطف، مشيراً إلى ان حدث ما قد حصل للشخصية وإنها استرجعت ذكريات كانت قد نسيتها،
فيمكن قول أنها تحولت لكيان مختلف حين وصولها للارض وقضاء أيامها مع كاغويا، بعبارة أُخرى بينما تضل شخصية كياتشيو مصممة لتكون كيانا يمكن ان يُستنتخ وتظهر في المكان والزمان الذي ترغب فيه، فأن وعي الشخصيات وذواتهم مع إختلاف الشكل الذي تتخذه في هذه العوالم تبقى محفوظة ، وهذا ما أكد عليه كذلك المخرج ياماشيا.
رغم مشاهدتي شخصياً الفلم ثلاث مرات الا ان هناك لقطات يعاد نشرها تجعلني أشك بأنها قد فاتتني، ولكن المفاجأة ان بعض الالتقاطات المرسومة تلك لا تستمر سوى لأطارين او ثلاث، يصعب تمييزها حين رؤيتها ولكن يمكن تفهم وجودها في سياقٍ محدد، وحين أمعن التفكير فيها تجعلني أقدر اكثر مدى إتقان جودة الأنميشن.
كود خصم لمتجر تويكس RIA
عند بداية اي لقطة، ولأنها تمثل حدثاً مستمراً لما قبلها، فيجب مراعاة عدم مباشرة تقديم هذه اللقطة من وضع ساكن، يمكن تبسيط الأمر بذكر مثال أداء اغنية “العالم مِلكي” لهاتسوني ميكو، في المشهد هذا تغتاظ كاغويا وتشعر بالغيرة وتسقط أرضا، الا ان اللقطة التي بعدها تستمر فيه بالغناء بشكل طبيعي، فنلاحظ التغيّر المفاجئ في المزاج والتعابير، فهي مدركة أن لها دوراً تؤديه، هذه الsequence البسيطة تظهر لنا فيه جانبا من شخصيتها، فرغم كونها تتأثر بسهولة الا انها لا زالت ذات إدراك لمحيطها.
إن الآلية وراء معالجة الحالة النفسيّة للشخصيات تختلف بين الأعمال المرئية والادبية، وذلك تبعاً للآليات التعبيرية التي يوفرها كل وسيط فبينما تميل الاعمال الادبية إلى الاستعانة باللغة والكلمات لأيصال مضامينها، في الأعمال المرئية ولا سيما الأنميشن فيجدر بها التمسك بالقوة التعبيرية البصرية التي يمتاز بها الوسيط، فإيماءات وتعابير ولغة جسد الشخصيات توفر لنا السياق الذي نحتاج، فيمكننا مثلاً من دون الحاجة الى سردية الرواية الخفيفة معرفة قرابة العلاقة بين إيروها وصديقتيها مامي وروكا وأخيها ميكادو، وكذلك حين إطلاعنا على حال إيروها بعد مغادرة كاغويا، فلم يتطلب سوى بضع إطارات استمرت لثوانٍ قليلة لتقريبنا من شعور الأكتئاب والفراغ النفسي الذي عاشته، الا انها تنهض سريعاً لمعرفة نهاية الحكاية والثورة ضدها فيما بعد.
كما ان اعادة الفلم بعد علمنا بهويّة ياتشيو ستجعلها تجربة مميزة من حيث التفاصيل التي كانت قد فاتتنا في المشاهدة الأولى، فعند أداء اغنية Starry sea في النصف ساعة الأولى من الفلم، وحين نمعن التركيز في كلمات الأغنية، سندرك كيف ان القصة كانت مترابطة بأدق جزئياتها منذ البداية.
في نهاية اداء أغنية ex-otogibanashi، والتي هي الاخرى تحمل في مضمونها مشاعر ياتشيو وال 8000 سنة التي عاشتها من ألم ووحدة في سعيها للقاء محبوبتها إيروها، تُسمع تنهيدة آخر الفلم والتي أكدت مؤدية صوت ياتشيو هايامي ساوري أنها وضعت عن عمد من قبل المخرج لأنها تعبر عن حقيقة مشاعرها بمشاركتها المنصة أخيرا مع إيروها.