مراجعة Paranoiac: تأملات في الألم النفسي

مراجعة Paranoiac: تأملات في الألم النفسي

عادة ما أقع في شرك اختيار اللّعبة على أساس غلافها فكلما أردت اختيار واحدة أحمّل التي لها أفضل غلاف لأنتهي بأسوأ لعبة ممكنة و تضيع فرصة أني ألعب و أقضيه مجددا في البحث عن أخرى مجددا على أساس الغلاف. و لأنه لم أتعلّم أنه لا يجب أن تحكم على اللّعبة من غلافها كدت أتجاوز هذه اللّعبة بسبب غلافها الأصلي السيّء و اضيع احد أكثر التجارب الممتعة التي خضتها من مدة. فما هي هذه اللّعبة حتى لا تقع فيما وقعت فيه؟

القائمة الرئيسية في اللّعبة الأساسية, التوجه الفني كان سيء فيها

لعبة Paranoiac هي لعبة مستقلةمن تطوير مطورة الألعاب اليابانية “Uri” باستخدام محرك Wolf Rpg Editor و نشرت سنة 2011 و بما اني جديد نسبيا في ألعاب الرّعب ال Rpg و لم أكن حاضرا حين شهدت انتشارها الكبير في النصف الأول من العقد الماضي لم أدري الاّ بعد أن أنهيتها أنها لاقت انتشارا واسعا في تلك الفترة و يمكنني القول أنها مازالت جيدة خاصة مع ال remake الذي حصلت عليه بعد سنة 2019 و هي النسخة التي لعبتها أنا و من السخرية أني اكتشفت بعدها أنّ لها غلافا جديدا أفضل بمراحل من الأصلي.

القصة

تبدأ القصة مع انتقال “مي” الى منزل عمتها بعد وفاتها. فهي تمر بحالة من الاكتئاب و الحزن العميق، و لهذا قررت أن تمضي بعض الوقت بعيدا عن صخب الحياة اليومية كمحاولة لأن تتعافى نفسيا. لكن كان المنزل كبيرا و قديما، يوحي بالحزن و التعاسة، و مع استقرارها فيه تبدأ مي في ملاحظة أمور غريبة تحدث فيه، و تجد نفسها متورطة في أحداث مرعبة لا يمكنها فهمها. فما حقيقة ما يحدث في المنزل؟ و هل ستنجو منه؟

عناصر اللّعبة

تعتمد اللعبة أسلوب الاستكشاف و خاصة استكشاف المنزل و محيطه الذي يقطر كآبة. و رغم انها تستعمل رسومات بسيطة بالبكسلز الا ان أجواءاه تشعرك بما تعانيه بطلتنا من وحدة فهي منعزلة في هذا المنزل القديم الموحش بغرف مغلقة و أخرى داكنة الألوان مليئة بالظلال. في بعض هذه الغرف أسرار تتعلق بالقصة و تاريخ المنزل تدفعك دوما للاستكشاف و محاولة فهم ما يحدث. هذا الى جانب وجود الألغاز. هذه الألغاز جيدة و لا تحتاج أن تكون ذا بصيرة ثاقبة كي تحلها، مثل الحال في العاب اخرى المشابهة.

نجد أيضا لحظات مطاردة و بما أن بطلتنا ليس لها أي سلاح و لا هي قادرة على الدفاع عن نفسها ليس لنا حل سوى مساعدتها في تجنب الوحش الذي يطاردها باخذها لمكان تختبئ فيه. و هذه الجزئية مع ان لها معنى مهم لفهم مدى اضطراب بطلتنا يتّضح أكثر بعد انهاء القصة الا اني وجدت نفسي مرات و مرات اختار الاماكن الخطأ و أموت. و في المطاردة الكبرى ضعت و مت أكثر مما يمكنني التذكر. لهذا السبب ربما لا ألعب Aoi Oni. خسارة هذه المطاردات سيتسبب في قتلك و عليك اعادتها. و بعد أن تنهي الى ان تصل في الاخير الى احد النهايتين: الجيدة او السيئة.

الجانب الصوتي جيد و موسيقى الخلفية تساعد على زيادة حدة الأجواء و من أكثر ما يعجبني في هذه الألعاب حين تحتوي على قطعة موسيقية مميزة ترتبط باحدى الشخصيات او تظهر وقت ذروة الأحداث. هكذا كلما أردت تذكر ما شعرته اثناء اللعب أسمعها و أخوص مجددا في ذاك العالم البعيد.

الى هنا تنتهي المراجعة الخالية من الحرق فان كنت ترغب في تجربة اللّعبة هذه فرصتك لتفعل لأن البقية هو تحليل للشخصيات مدموج ببعض انطباعاتي عنها و سيفسد عليك تجربتها, انصحك بلعبها ثم الاستعانة بما سأقوله و اللّعبة ليست طويلة قرابة الساعة او الساعة و النصف فلا تتكاسل و العبها!

خصم 30% على منيو المطاعم في الرياض وتوصيل مجاني لطلبك الأول من نون فود

تحليل الشخصيات

رغم قلة شخصياتها و قصر مدتها تدفعك اللّعبة الى التفكير في ما تطرحه و ما تمثّله كلّ واحدة من هذه الشخصيات سواء من صفاتها أو علاقتها بباقي الأطراف.

الخالة: المعاناة المفاجئة

سايكي “Yuriko Saeki” هي خالة بطلتنا مي و يمكننا أن نقول حتى أنها صديقتها لشدة الألفة بينهما. و هي أيضا صاحبة المنزل الأصلية و قد كانت تعيش حياة طبيعية رفقة زوجها تترقّب مولودها القادم. و في انتظاره اعدت له غرفة مليئة بالألعاب و الدمى و تجهّزت أفضل تجهّز. لكن قدّر ان يتوفى الطفل ما رماها في دوامة من الحزن. و زادت شدة هذه الدوامة بعد أن بدأت أختها، ام مي، في السخرية المتواصلة منها لا فقط لموت الطّفل بل لطلاق زوجها منها أيضا الى ان وصلت حدّها و انكسرت فاصيبت بالرهاب و صارت تخشى الجميع حتى مي, التي كانت صديقتها, صارت تؤمن انها تكرهها و ترجو موتها. لتنتهي في الاخير منتحرة في غرفتها.

من قصّتها نرى أن العمة هي مثال للشخص الطبيعي، السعيد الذي تصدمه الحياة فجأة بألم لا طاقة له لتحمله و لا شخص يساعده على تجاوزه بل من كان يفترض أن يكون أقرب الناس البه يتعامل مع مشاكله امّا كمزحة تحكى للضّحك أو سببا للسخرية منه مع تحميله نتيجة كل ما حصل. و مع أن للعقل طرق عديدة للتعبير عن ألمه لكن قلّما يقود من ذاته و هو في دوامة الاكتئاب الى طريق يشفيه من الألم بالذّات ان كان في مصيبة يراها قاصمة لذلك لم تستطع الخالة أن ترى مهربا من الامها سوى انهاء حياتها كحلّ أخير.

الأم: لسان كالسكين

ميناكو “Minako Takamura” هي أم بطلتنا و في البداية تبدو امرأة لطيفة فهي تتصل على ابنتها لتطمئن عليها و على أحوالها لكن يبدو أن لطف الأم تحول لغضب يتصاعد كلّما اتصلت بها الابنة معبّرة عن خوفها من الوحش الذي يطاردها ال أن تنفجر في وجهها في الأخير و تخبرها أن تنتحر كما فعلت الخالة غير مهتمة لما عبّرت عنه ابنتها من اضطرابات رغم انها تدرك أن ابنتها في نفس المنزل الذي تسببت هي في انتحار اختها فيه.

و أراها تعبّر عن أحد أكثر الصفات السلبية انتشارا و هو شدّة الغضب مع عدم الاهتمام لمشاعر الناس. و مع أن اللّعبة تخبرنا أنّها شخّصت في الأخير كمصابة بالهستيريا الاّ أني لا أرى ذلك يعفيها من خطاياها اذ أقلّ ما كان يمكنها فيعله أن تحاول علاج نفسها و ايقاف نوبات الغضب هذه. و هي مثل أشخاص كثيرين و خاصة الآباء و الأزواج بما أنّ لهم أشخاص يتعاملون معهم عن قرب باستمرار. هي مثلهم في ترك أمراضهم تؤثر على من حولهم و تدمرهم تدميرا ثم يلقوا اللّوم على هؤلاء الضحايا و يستمروا في سلوكاتهم السامة. فلو أنها كانت ساعدت أختها لكان امكنها انقاذها و لو أنها تعلمت من خطئها لما انتقلت ابنتها للعيش في مكان آخر، خاصة مكان بهذه الذكريات و القتامة. الاّ أنّها في النهاية قبلت أن تبدأ تلقي العلاج و هو الأمر الذي مازلت أتساءل حولها لأن غالبا أمثال هؤلاء لا يقبلوا أي نقد فما بالك أن تخبرهم أنهم مرضى نفسيين و يحتاجوا لعلاج.

الجار: الصديق المتفهّم

ميكي “Miki Takamura” هو جار مي و يشتغل كمصمم معماري، في العادة هو شخص مشغول لكنه فضولي أحيانا لذلك صار مهتما بمي حين رأى غموضها فحاول مصادقتها ثمّ تقديم المساعدة لها رغم أنه لم يدري وقتها معاناتها من مرض نفسي و واصل تشجعها بعد أن أدرك ذلك.

يمثّل في القصة الشخصية المتفهمة و المساعدة و رغم أن فضوله هو ما قاده في البداية لمصادقتها. مدّ لها يد العون و تفهّم مشاعرها و حاول التخفيف عنها رغم انشغاله. و هو من الاسباب التي ساعدت مي على تجاوز أزمتها. في النهاية السعيدة يودّع مي و يأمل عودتها بعد ان قررت الرحيل من منزل خالتها حاليا لكن ان انتهى المطاف بمي في النهاية السيئة سيؤدي ذنبه الى شعوره بأنه كان سببا فيما حصل و سيتشكل الوحش ليطارده هو هذه المرة. و هو رمز الشّخص العادي الذي يقدّم اهتمامه للمحتاج و يتعاطف معه فهو سيصبح مطاردا بشبح الذنب لو حصل مكروه لم على عكس أمها السايكوباثية التي تسببت بدمار حياة شخصين دون اهتمام.

الابنة: الكاتبة المكتئبة

لم يكن ليمكننا فهم شخصية بطلتنا و تطوّرها دون أن نأخذ في الحسبان محيطها لذلك كان علينا أن نذكر بقية الشخصيات قبلها فلكلها شديد التّأثير عليها.
أمّا هي فشابة في ال 25 تعمل ككاتبة رومنسية و قد اصيبت بالاكتئاب نتيجة لفشلها ككاتبة، الضغط الذي تسببت به أمها و شعورها بالذّنب من موت خالتها. و بسبب تزايد هستيريا أمها و صراخها رأت أن الانتقال لمنزل خالتها الخيار الأفضل.

و كما هو واضح الجزء الأكبر من مرضها عائد للمحيط الذي عاشت فيه فلا يكفي الذنب الذي حملته دون ان تتسبب فيه حقيقة الا ان امها عوض توفير الدعم لها لم تهتم و ضغطت عليها طوال طفولتها و شبابها ما أدى في النهاية لأن تصاب بالشيزوفرينيا و تعبّر عن ذنبها بصورة الوحش الذي يلاحقها. ذنب قادها الى جرح نفسها حتى ماتت ظانة أن الوحش هو من يهاجمهالكن على عكس عمتها تلقت بعض المساعدة من جارها و وجوده كان عاملا في تماسكها و سعيها نحو خلاصها. ثم حصولها على العلاج الذي تحتاجه في نهاية اللعبة.

وهكذا نرى أن لكلّ شخصية رسالتها و تطرح مسألة هامة في موضوع الصحة النفسية بين أثر أن نترك مشاكلنا تؤثر فينا أو نشخر من مشاكل الناس ثم التصالح مع الذات و محاولة مساعدة الآخرين بما نقدر عليه. و هي رسالة قيمة في هذا الزمن الذي كثرت فيه الحوارات عن الصحة النفسية لكن لم يتطوّر نظرة الناس الها فصارت موضوعا للحديث عوض أن تكون دافعا للتّغيير و السّعي نحو العلاج.

الخلاصة

على الرّغم من قصرها الا أن الرسائل في Paranoiac كثيرة و جدا مهمة لمن كان يلعب و يفكر و يشعر مع اللّعبة و يعيش حالة الشخصيات. و هي العمل الأول الذي لعبته للمطورة فمتشوق لأجرب ألعابها الأخرى و أرجو ان تكون كمثل هذه أو أفضل و ربماحينها نتكتب مقالة عنها، و لمن كان يملك لعبة جيدةيريدني أن أراجعها بامكانه تركها في التعلقات أو ارسالها في الخاص في اي من حساباتي و شكرا على القراءة 🙏

اترك رد