ان كنت تتابع ألعاب الرّعب على منصات كيوتيوب أو تويتش و كنت مغرما بالرّعب الياباني لابد أنك شاهدت أحد ألعابهم فالأستوديو الذي سنتكلم عنه اليوم صار أحد أشهر الأستوديوهات في هذا المجال و شخصيا كان لي ذكريات كثيرة بفضل ألعابه من أيام الجامعة، حديثنا اليوم عن “Chilla’s art”
تاريخ الأستوديو
بدأت “Chilla’s Art” حديثة نسبيا، أسسه شقيقان من اليابان سنة 2018 و من وقتها للآن فضّلا البقاء بعيدا عن الأضواء، و فضّلا خصوصتهما على الشهرة الشخصية. و أراه خيار جيّد بما أنه يتماشى مع هالة الغموض حول ألعابهما و ترك تلك الألعاب تتحدث عن نفسها عوض أن يكونا واجهة للأستوديو.

بين سنتي 2018 و 2019 نشر الأستوديو أربعة ألعاب لم تحمل اسمه كونه لم يتقرّر حينها بعد و لم تلقى هذه الألعاب قبولا حسنا لسوءها و مع الخامسة okaeri التي صدرت في أواخر سنة 2019 كانت البداية الفعلية للأخوين كأستوديو لكن لم تتحسّن سمعتهما الاّ بعد صدور Aka Manto بعد أيّام من صدور السابقة. و بدأت عناوينهم من حينها تحصل على انتشار واسع عبر منصات البث و لعبها أغلب صنّاع المحتوى المتخصصي في ألعاب الرّعب ما أكسبها قاعدة جماهرية مخلصة مازالت تلعب ألعابهم لليوم. و على الرّغم من أنّهم لا يعتمدوا على ميزانيات ضخمة في انتاج ألعابهم كما هو الحال مع شركات كثيرة الاّ أنهم أبدعوا في كثير من المرات على استخدام الموارد البسيطة لخلق الأجواء المرعبة لكن لم يكن ذلك خاليا من السلبيات. و يصل عدد ألعاب الأستوديو الآن ل 31 لعبة، آخرها اعادة نشر للعبتهم The bathhouse التي سحبت قبل بسبب خطأ فيها كان يمنع الاّعب من فتح أوّل باب في اللعبة، و للأسف كنت من الأشخاص الذين عانوا من ذلك الخطأ 🥲 سهرة كاملة أفسدت بسببه و بسبب النت الضعيف وقتها.

المواضيع و التأثيرات الثقافية
ما يميّز “Chilla’s art” هو اعتماد الأستوديو الكبير على الثقافة اليابانية و تقاليد الرّعب فيها في كلّ ألعابه. فهي تتداخل بشكل كبير مع الفولكلور الياباني الثري، خصوصا مع ال “yūrei” (الأشباح) و”yōkai” (المخلوقات الخارقة) و مع اللّعنات، كلّه في اطار يابانيّ معاصر ما يجعل هذه العناصر لا تُستخدم فقط كأدوات سردية بل أيضًا كأدوات لاستكشاف القضايا المجتمعية في اليابان الحديثة. و لابدّ أنّ الطابع الياباني الخالص كان جزءا لا يتجزّأ من أسباب اشتهار الأستوديو اذ يعطي فرادة لعناصر الرّعب و هو امر استغلّه اليابانيون في ألعابهم عامة على عكس الألعاب الأخرى التي تكون فيها هذه العناصر عامة خالية من أي روح تخصها. لذلك أنصح من يرغب في صنع لعبة من هذا الصّنف أن يبحث و يحاول الاستمداد من تراثه ذلك التميّز عوض أن يستعمل أكثر قالب مستهلك معولم قد مرّ على الاّعب مرات لا تحصى و لا تعد.

و أحد الموضوعات المتكررة في ألعابهم هو الشعور بالعزلة والانفصال الذي يسيطر على حياة الأفراد في المعيشة الحضرية الحديثة، خصوصًا في المدن اليابانية المزدحمة. فالعديد من شخصيات ألعابهم يعيشون في شقق صغيرة أو يعملون في وظائف رتيبة، ويبدأون تدريجيًا في تجربة أحداث غريبة تطمس الحدود بين الواقع والكابوس. و بهذا يستغل الاستوديو هذه الخلفية بمهارة لإدخال عناصر خارقة للطبيعة تعزز من الرعب، و هي مخاوف ثقافية محليّة تلامس عواطف عالمية مثل الوحدة والقلق والعجز.
مثال على ذلك، لعبتهم The Convenience Store تركز على شابة تعمل في نوبات ليلية في متجر صغير. تزداد أحداث غريبة تظهر تدريجيًا، ويزداد الإحساس بالرعب مع تطور الأحداث. المكان البسيط و اطاره المتواجد في الحياة اليومية يجعلك تشعر بأنها مألوفة وواقعية أكثر، و بما أن من السّهل أن تسقط ما يحدث فيه على أيّ عمل آخر ليلي، يتعزّز شعورك بالخوف.

عناصر تصميم الألعاب
رغم أن كل لعبة من “Chilla’s Art” تقدم قصة و أجواءا مختلفين، إلا أن هناك بعض العناصر التي تتكرر في تصميمها، ما يخلق أسلوبًا يمكن التعرف عليه على الفور.
الأسلوب البصري المنخفض الوضوح
يعتمد الاستودي على أسلوب رسومي بسيط يقوم على تعدد الأضلاع المنخفض (Low-Poly). و مع أن قد يبدو هذا الأسلوب محدودا، لكنه في الحقيقة يضيف إلى الجو المقلق. اذ تتيح الرسومات البسيطة، التي قد تبدو قديمة، تركيز اللاعبين على الأجواء العامة بدلا من التفاصيل الدقيقة. كما يؤدي هذا الأسلوب الى الشعور بالحنين إلى أيام ألعاب الرعب القديمة على “بلاي ستيشن”.
منظور الشخص الأول
معظم ألعاب الأستوديو من منظور الشخص الأول، الذي يزيد شعور الاندماج مع اللعبة و أجوائها كما يبني علاقة شخصية بينه و بين الشخصية الرئيسية. و لهذا المنظور تأثير في التعامل مع البيئات و زيادة وحشة الأجواء خاصة مع كثرة التنقّل بين الأزقة الضيقة و الشقق الضيقة و الممرات الفارغة التي تتكرّر في ألعابهم و هذا الحقل البصري الضيّق يوتّرك مع كل زاوية جديدة ستمرّ بها، و أذكر هذا جيدا في نفس اللعبة التي ذكرناها سابقا كمثال اذ منزل “البطلة” و طريق عملها كانا كافيين لبناء شعور الضيق مع بداية اللّعبة.
السرد القصصي التدريجي
على عكس العديد من ألعاب الرعب التي تعتمد على اللحظات المفاجأة والإثارة السريعة، يعتمد “Chilla’s Art” على أسلوب السرد التدريجي للرعب. غالبا ما تبدأ ألعابهم بمهام يومية روتينية، مثل ترتيب الرفوف أو التنظيف أو تسليم الأشياء، ما يعطي اللاعب شعورا مزيّفا بالأمان المؤقت قبل أن تبدأ الأحداث الغريبة بالظهور تدريجيًا. هذا الأسلوب يذكّرني بفلم الرعب اليابانية الكلاسيكية التي شاهدتها و هو Ju-On: The Grudge و أنصحكم بمتابعته ان كنتم مهتمين بتجربة رعب مبنية جيدا.
آليات لعب بسيطة
آلية اللّعب بسيطة و تركز على الاستكشاف وتقدم القصة بدلاً من تقديم ميكانيكيات معقدة أو مواجهات قتالية في أغلب ألعابهم الاّ بعضها الذي يحتوي على مطاردات مثل Akamanti. البساطة هذه تسلبك غالبا أي قدرة على المواجهة او الدفاع عن نفسك و في العادة عليك استكشاف بعض الأشياء او القيام بمهام معينة لتصل للنهاية الحقيقية.
التصميم الصوتي
تعتمد ألعاب “Chilla’s Art” بشكل كبير على الصوت لبناء التوتر. من صوت الأضواء الفلورية في متجر صغير إلى صوت الأبواب المتهالكة في شقة قديمة، الخ… اختياراتهم لكل صوت مناسبة لخلق جو مقلق. كما يستخدام الصمت احيانا كأداة لبناء التشويق يضيف إلى الرهبة، و تتماشى مع بساطة الرسومات.

إصدارات بارزة
أصدرت “Chilla’s Art” مجموعة من العناوين التي تستكشف جوانب مختلفة من الرعب والنفس البشرية. من بين أبرز أعمالهم:
The Convenience Store (2020)
و هي اللّعبة التي ذكرناها في الأمثلة السابقة، تركز على شابة تعمل في نوبات ليلية في متجر صغير في اليابان. تبدأ اللعبة بمهام روتينية، ولكن سرعان ما تبدأ الأحداث الغريبة بالتزايد.

Inunaki Tunnel (2020)
تأخذك إلى أحد المواقع الأكثر شهرة وغموضًا في اليابان، وهو نفق “إينوناكي” المعروف بتاريخه المظلم وأجوائه المقلقة. و تتبع هناك شخصية تستكشف النفق المسكون، وتواجه رؤى مروعة وتتعرض لأحداث غريبة. و لهذا النفق أساطير عديدة و أخطط لمشاهدة الفلم الذي يتكلم عنه قريبا

Night Delivery (2021)
يلعب اللاعب دور سائق توصيل يعمل ليلاً، يقوم بتسليم الطرود إلى سكان مجمع سكني متهالك. مع تقدم التوصيلات، يواجه اللاعب مواقف متزايدة في الغرابة، ويكشف تدريجيا المأساة التي حدثت هناك.

The Radio Station (2021)
شاب يعود إلى مسقط رأسه بعد اختفاء شقيقه، الذي كان يعمل مذيعًا في محطة إذاعية محلية. بعد هذا الاختفاء الغامض، يقرر البطل التحقيق في سببه. و هي أوّل لعبة لعبتها من ألعاب الأستوديو.

السلبيات
على الرغم من شهرة و نجاح الأستوديو لكن للأسف مازال يعاني من سلبيات كثيرة. أبرزها و الذي لاحظته كثيرا في أعمالهم الحديثة هو قلة الاهتمام باللعبة لدرجة نشرها دون اتمام التجارب الازمة فنجد ألعاب تحتوي على أخطاء تقنية و أخرى فيها أداء صوتي عشوائي أحيانا يشتغل و أحيانا لا و الأمر في موضوع الأداء الصوتي أن الكلام المقول أحيانا يخالف ما يكتب بالانجليزي. و بالحديث عن الترجمة تجدها فجأة تتحول لمزيج بين حروف يابانية و انجليزية. و غالبا سبب ذلك استعجالهم في النّشر و هذا الكم المهول من الألعاب التي يطرحوها. و كان من الممكن لهم أن يستغلوا مكانتهم الان في تقديم الجودة على الكمية لكن للأسف لم يفعلوا ما ترك ألعابهم في نفس المستوى و أحيانا أسوء.
من الأشياء التي تزعج أيضا أنه لا توجد قصص كبيرة في جل ألعابهم و غالبها يمكن تلخيصها في أسطر قليلة، أفهم أن توجّههم يسير أكثر ناحية الأجواء لكن كان من الممكن استغلالها أكثر و اضافة طبقات من الرعب. و ربما أفسر هذا بأنهم لا يريدوا خسارة جمهورهم من صنّاع المحتوى و هذا الفراغ يمكّن الصانع من اضفاء شخصيته بكثرة على ال gameplay الذي يصنعه. لكن هذا أدّى بأنك لو تلعبها وحدك ستمل بسرعة، و هذا جرّبته بنفسي. ففي الجامعة لعبت ألعابهم رفقة صديقي و كانت أوقات ممتعة لن أنساها لكن الآن لما أفتحها لا أتحمس لها.

الخاتمة
أرى العبرة في الحديث عن “Chilla’s art” هي قدرتهم على جذب كل هذا الكم من المعجبين و قدرتهم على استغلال البساطة للوصول لذلك فحتى لو لم تكن ألعابك معقدة ببرمجة خارقة ان عرفت كيف تجعلها ممتعة و تجذب الانتباه فأنت قادر على ترويجها. و أدعو الكثير من مطوّري الألعاب أو من يفكروا في فعل ذلك الى دراسة هذا الأستوديو و الاستلهام من مسيرته للخروج بنجاح مشابه و ان يتجاوزوا الأخطاء التي فيهم. الأمر ليس مستحيلا لكن يحتاج لمخيلة حية تعرف كيف تستغل ثقافتها. و شكرا على القراءة 🙏
